محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

192

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

وجربوا حُسْنَ معرفتهم ، بل أعظم من هذا أن الفقهاء بَنَوْا على أقوالهم حكماً شرعيّاً ، فقالوا : من ادَّعى الطب ، وليس بطبيب ، فقتل أو أبطل عضواً ، وجب عليه القصاصُ في ذلك أو الديةُ على حسب ما اتفق منه من العمدِ والخطأ ، ومن كان يَعْرفُ الطبَّ لم يجب عليه شيء من ذلك ، وهذا الطِّبُّ الذي يسقط عنه القود والدية هو معرفة ما قالت اليهودُ والنصارى وسائر علماء الطب على جهة التقليد لهم ، والثقةِ بمعرفتهم وصدقهم ، وقد أجمع ( 1 ) المسلمون على جواز ( 2 ) الإقدام على مداواة الأئمة والعلماء والفضلاء ، وسائر المسلمين بأقوال الأطباء في كتبهم متى كان المداوي من أهل المعرفة التامة بمقاصدِ الأطباء ، والعلم بما وضعوه هذا مع ما في مداواة الأئمة والعلماء من الخطرِ العظيم لجواز أن تكونَ تلك الأدوية سبباً لموتهم متى كان الواضعُ لها غيرَ صادق في كلامه ولا بصيرٍ ( 3 ) في علمه ، ويدل على ذلك مع ما تقدم وجوه : الأول : أجمع العقلاءُ من أهل الإِسلام وغيرِهِم على أن الإنسانَ يرجِعُ إلى تصديق عدوِّه وقبولِ كلامه حيث يظن صدقه في أمور الحربِ والإصلاح ، فمن ذلك أن الكفارَ إذا عقدوا الذمة بينَهم وبينَ المسلمين ، جاز للمسلم أن يأمَنهم ، ويَدْخلَ بلادَهم لحاجته ركوناً منه إلى ما وثق به من ظن صدقهم في أنهم يفون ، ولا يَغْدِرُونَ ، وإلا لوجب أن يحرمَ ذلك عليه ، ويكون فاعله ملقياً بنفسه إلى التهلكة راكناً بذلك إلى الظلمة ، وهذا خلافُ إجماعَ المسلمين .

--> ( 1 ) في ( ج ) : اجتمع . ( 2 ) " جواز " ساقطة من ( ب ) . ( 3 ) في ( ج ) : نظير ، وهو خطأ .